الجمعة، 6 نوفمبر 2009

حيدر الغول.. شهادة مؤجلة

أمير قانصوه
يفاجئنا الموت في كل لحظة ليسرق منا عزيزاً، فيشعل من لحظة الحزن ولوعة الفراق كل ذلك الحنين لمن مضوا الى ربّهم، ونفوسهم راضية مرضية.
هذا ما فعله حيدر الغول حين تسلل من بيننا، لم ينظر الى الخلف أبداً، برغم انه ترك وراءه الكثير من الأحبة الذين يأنسون بطلّته، وتسعدهم بسمته، ويريحهم هدوؤه.
جاء حيدر الى هذه الدنيا وهو لا يحمل في جعبته غير بطاقة واحدة، شهادة مؤجلة. ربما الشهادة هي الأمر الوحيد الذي أحبه في سره وطبع قلبه عليه. لقد انتظرها طويلاً بين جنبات بلدته الخيام. وربما يقول قائل: ان حيدر استحقها هناك على تراب الخيام وقبالة فلسطين العزيزة، لكنها تحققت بعد أربع عشرة سنة حين سقط بجراح من الأسر صابراً محتسباً.
من الأسر مباشرة الى الإعلام المقاوم جاء حيدر، ليكمل المسيرة التي بدأها، وهو الذي كان بين جدران الزنزانة صوتاً ينخر آذان السجانين، سواء اذا أطلق شعاراً أو تلا القرآن أو أنشد للمقاومة بصوته العذب.
الكل يعلم أن أهم وظيفة قد يضطلع بها الإعلامي هي التواصل مع من يملك المعلومات، ليعيد تقديمها الى الجمهور، لكن مع حيدر الغول كانت الأمور تبدأ على هذا النحو وسرعان ما تنقلب، ليصبح هو المحاوَر، فيروي السيرة الكاملة، ليس سيرته فحسب، بل سيرة مئات الأسرى في معتقل الخيام، ممن حمل حيدر صوتهم قوياً وعالياً، وصرخ به في وجه كل من كان يحاول ان يسجن معتقل الخيام ونزلاءه في ظلمة النسيان.
كان حيدر الغول يستطيع ان يجعل منك وأنت تستمع الى حكاية المعتقل أسيراً لروايته، كيف كان يُعتقل الشباب ومن كان يقوم بالاعتقال.. يسمي لك العملاء والسجانين بأسمائهم، ويحدثك بلوعة كيف لم تحاسب المحاكم اللبنانية هؤلاء بما يوازي جرائمهم بحق شعبهم!! يروي لك كل الحكاية، حتى اذا كانت الخاتمة قال:
"كنت فتى حين اعتقلت، لم أشبع من حنان أمي وحبها.. أودعت ذلك المعتقل الذي يبعد مئات الأمتار عن بيتنا، كان القلق ينهش قلب أمي، وكانت تحاول وتحاول دائماً ان تصل ولو الى الهواء الذي أتنشقه.. وكنا حين نُنقل من السجن الى المستشفى نعبر في دروب الخيام، فأسترق النظر من فتحات صغيرة في الآلية لعلّي أرى وجه تلك الحبيبة".
كان الفتى يصرخ بأعلى صوته "أمي"، لكن حتى ذلك الصوت كان ممنوعاً أن يصل اليها.
قبل أسبوعين من الرحيل، التقيته في ردهة المنار على عجل.. قال لي إني مريض وسأدخل المستشفى. وعلمت لاحقا أنه أودع وصيته في أرشيف المنار، ربما كان يعلم أن الشهادة المؤجلة قد دنت.
حيدر.. لو كنت أعلم أني أنظر اليك للمرة الأخيرة، لكنت أطلت النظر.
الانتقاد ـ العدد1356 ـ 24 تموز/يوليو 2009

14 آب: العدو يهدد.. نحن جاهزون

أمير قانصوه
صباح الرابع عشر من آب/ أغسطس 2006 تحديدا، أدرك العدو أن الذهاب إلى الشمال لم يعد نزهة، ولم يعد ذلك البلد الضعيف لبنان يُحتل بفرقة موسيقية، كما كان يعبّر قادته. فهم العدو من أصغر جنوده حتى أكبر قادته العسكريين والسياسيين أن لبنان صار بالفعل بلداً قوياً، يدفع عنه العدوان ويحافظ على سيادته واستقلاله، ولو كلفه ذلك التضحيات الكبيرة، ولو اجتمع العالم كله ضده، ولو صار المتآمرون على امتداد الدول والممالك والامبراطوريات. لا بل أصبح قادرا على صنع الهزيمة لأعدائه وبلوغ النصر المظفر.
انها الحقيقة التي أثبتتها كل الأيام التي مرت خلال السنوات الثلاث الماضية، ووثقها تقرير "فينوغراد" بشهادة قادة العدو، وخلاصة ما توصلت اليه اللجنة الاسرائيلية.
لكن لماذا اليوم يرتفع صوت العدو مهدداً ومتوعداً، وكأنه يحاول تجاهل "الدرس القاسي" الذي تلقاه في تموز وآب؟
انها بالتأكيد طبيعة الكيان الصهيوني العدوانية التي لا ترى وجودا له من غير العدوان وسفك الدماء، وأن استمراره يرتبط بتحقيق القوة المطلقة التي تضمن تفوق "اسرائيل" عسكرياً واقتصادياً وسياسياً على كل الدول المحيطة بها، وتجعل هذا المحيط أسير دوامة الخوف والقلق والجبن.
حتى ان لجنة "فينوغراد" عندما كُلفت تحليل ظروف الحرب ونتائجها، لم تقل إننا فشلنا في الحرب، فلنجنح الى السلم، بل كانت توصيتها مزيدا من الاستعداد وشحذ القوة التي تجعل "اسرائيل" تنتصر في الحرب القادمة!
في المقابل حين يقرأ بعض اللبنانيين حرب تموز، فإنهم يصلون الى نتيجة غريبة جداً، كل ما فيها هو نزع سلاح المقاومة، وبالتالي تجريد لبنان من القوة التي حققت له النصر وحافظت على استقلاله وسيادته، هذا بدل أن يكون المطلوب أن نبذل جهداً أكبر على مستوى الاستعداد والتحضير للدفاع عن بلدنا بكل الوسائل التي يمكن أن تتوافر للجيش والمقاومة والشعب.
قادة العدو يهددون لأنهم يستندون الى قرار متخذ بالثأر لهزيمة تموز، وهم لا يتوقفون عن الاستعداد على كل الجبهات، بما فيها تحضير المستوطنين أو ما يسمونه الجبهة الداخلية لمواجهة أي حرب محتملة.
وبالتأكيد فإن المقاومة منذ 14 آب 2006 هي في حال استنفار لتحقيق الجاهزية المطلوبة لمواجهة أي عدوان اسرائيلي.. عمل لا يتوقف في الليل والنهار لتحقيق انتصار يسقط كل بيت العنكبوت.
في 14 آب سيقول قائد المقاومة سماحة السيد حسن نصر الله ما يجعل هذا العدو يعمل ألف حساب حين يفكر بعدوان ضد لبنان، لا بل سيقول ما يجعل ألسنة قادة العدو تخرس من جديد.

14-08-2009

الاثنين، 4 مايو 2009

عندما أراد العدو شطب المقاومة من المعادلة:

ميـدون الأسطورة.. والحجر الأول في زمن الانتصارات

أمير قانصوه
قبل 21 عاماً، وعند بوابة البقاع الجنوبية في قرية ميدون سجلت المقاومة الاسلامية أحد أكبر انتصاراتها الخالدة، في ساعات قليلة أسقط نفر قليل من المجاهدين أكبر عملية عسكرية تشنها ألوية النخبة في جيش العدو الصهيوني، كان الهدف منها قلب ميزان المواجهة، وشطب المقاومة من معادلة الصراع، لكن المجاهدين قاتلوا حتى الطلقة الأخيرة، وحتى آخر نقطة دم في عروقهم، وأسقطوا أولى محاولات العدو لتبدأ من ملحمة ميدون الخالدة التي سجلت في تاريخ العدو كأسطورة.. بداية زمن الهزائم لـ"إسرائيل". حدث ذلك في 4 أيار /مايو 1988.
هنا استعادة لحكاية لا تزال خالدة كالمقاومة التي سقيت شجرتها من شرايين الثوار:


اقرأ النص كاملاً على هذا الرابط:
http://www.alintiqad.com/essaydetails.php?eid=6226&cid=7

الاثنين، 16 فبراير 2009

يا عماد



نصري الصايغ



يا عماد، لماذا لم تتحول بعد إلى ذكرى؟
لماذا لم تستقر في المناسبة؟ ألم يمر عام كأنه دهر على استشهادك؟
متى ترتاح، وتقيم في صنم الذاكرة؟
لن...
لأنه شُبّه لنا، أنك غائب عنا، وأنك في مطارح الملكوت، وأنك في سكنى القيامة، وأنك أنهيت خدمتك بالدم.
لن...
لأنك ما زلت بيننا، بكل وضوح وعلانية، ولأنك، عندما كنت على منصة قيادتنا، لم نرك ولم نشاهدك، ولم تظهر علينا، لأنك كنت سرنا المدهش، لفمنا الحضاري، قامتنا المستترة التي ترى فلسطين، أقرب إلى القلب من قلوبنا.
لن...
لأنك، يا الذي هناك، لست هناك إلا قليلاً، ولأنك هنا بكل كثافة حضورك، صورتك الوحيدة، تحمل آلاف التعابير، لم نُحصِ إلا القليل منها، وما زلنا نستزيد صورتك الوحيدة قربانة العين إلى قداس الرؤيا.
لا...
لأنك يا عماد، عندما بحثنا عنك في الصلاة، وجدناك تكبّر في غزة، ولأنك، عندما وجدناك هناك، اكتشفنا أنك معنا، ولما انتظمنا معك في غيابك، أرسلتنا إلى حيث مكان قيامة الوطن.
من مثلك حتى الآن؟
يموتون، ويصيرون ذكرى.
يرحلون ويقيمون في الذاكرة، أو يتحولون إلى رخام من كلام.
أما أنت، فلا نُصب يتسع لك، ولا مكان يحدك، كأنك ملء الزمن الحاضر، دمك الزمن الآتي، لأن آيتك تكتمل ببقائك على قيد الحياة بعد موتك، إلى أن لا يحين أي موعد اعتدناه.
كنتَ...
لا يجوز إدخال الماضي عليك، فأنت ما زلت لذا، أنت، في اللغة، عبارة جديدة، فلا يقال، كنت معنا، كنت ثائراً، كنت وكنت، بل، أنت ستكون دائماً لأنك الآتي من انتصارات وصفت لها أبجدية القتال، ضد عدوٍ يُزال.
أمثالي الذين لم يعرفوك إلا بالسرّ، كلمة مبحوحة، تنتقل بالإشارة واللحم، من حقهم أن يكونوا هذا الماضي، ومن حقهم أن يدخلوا تاريخك، لأننا خارجه، نساوي الهزيمة.
أمثالي، من حقهم أن يرفعوا للشمس تحيتهم، ومن حقهم أن يقولوا للهواء، أطعنا، وأن يطلبوا من الريح أن تقف، وأن يقولوا للأرض ها نحن ذا، قادمون باسم عماد إلى الحرية.
أمثالي، من حقهم أن يرفعوا جباههم عالياً، وأن يصرخوا بملء حناجرهم وقبضاتهم وأحزانهم: ارفع رأسك يا أخي، ارفع رأسك يا أخي، فلقد ولد لنا اليوم مخلص، يدعى شعبا بقامة عماد.
أمثالي، من حقهم أن ينفضوا مذلة الهزيمة، وأحزان حزيران، ويُتم النكبة، وكارثة الغزوة، ومأساة الحروب الخاسرة، من حقنا يا عماد، أن نزهو ونفرح، وأن نضرب للنصر موعداً قريباً، من حقنا أن نجد مكاناً لنا، في صف المقاومة، لنساهم بما تبقى من زهيد السنوات، بقمح القلب وخبز الجباه، واغفر لنا اهتزاز سواعدنا.
ولكننا نعدك، أننا قادرون على التصويب بشكل جيد، والإصابة بلا خطأ، لأننا نعرف العدو، ولا نخافه، وكيفما صوّبنا أصبنا.
لا أقول لك إلى اللقاء في العام القادم، بل، إلى اللقاء ما دمنا قد تواعدنا، منذ الطلقة الأولى، أن نقيم عرس قانا، في الجليل، وأن نصلي ركعة الانتصارين في القدس.
انتظرنا هناك.. إننا عائدون..
ويا قدس، إننا قادمون.
الانتقاد/ العدد1333 ـ 13 شباط/ فبراير 2009