الأربعاء، 11 نوفمبر 2009

سمير مطوط شهيد من الرعيل الأول بطل أول عملية أسر ناجحة

الشهيد مطوط، يقود ملالة أسرتها المقاومة الإسلامية عام 1986

سمير مطوط، اسم لأحد أبرز شهداء المقاومة الإسلامية وقادتها العسكريين من الجيل التأسيسي. ربما لذلك، لم يكن سهلاً الوصول إلى الكثير من المعلومات عنه، فأغلب رفاقه، الذين بقوا أحياءً، هم اليوم من قادة المقاومة الذين يصعب التواصل معه لأسباب أمنية

مهى زراقط
في 17 شباط 1986، استنفرت إسرائيل قواها العسكرية، دباباتها وطائراتها الحربية، وتقدمت جنوباً متجاوزة الشريط الحدودي الذي كانت قد تراجعت إليه عام 1985. وفي الأيام السبعة التي تلت هذا التاريخ، نفذت قوات الاحتلال مجموعة من الإنزالات العسكرية، واعتقلت عشرات الشبان في القرى التي دخلتها، بحثاً عن جنديين إسرائيليين استطاعت المقاومة الإسلامية أسرهما. هذا التاريخ سيدخل في سجّل المقاومة تحت عنوان «عملية كونين»، التي سُميت لاحقاً «عملية الأسيرين» والتي تعدّ أول عملية أسر ناجحة ينفذها المقاومون، بعد محاولات عدة. وسيدخل في السجل أيضاً أن قائد تلك العملية كان الشهيد سمير مطوط، أو جواد وفق اسمه الجهادي. يومها، وعلى ذمة الرواة، وصل الشهيد مطوط إلى الأوزاعي حيث كان يقيم وعائلته. ركن السيارة التي كان يقودها جانباً وسأل الناس المتجمهرين: «ماذا يحصل؟». أخبره شقيقه أن المقاومة أسرت جنديين. وقف قليلاً بين الجموع مستمعاً إلى ما يتداولونه من حديث، ثم دخل البيت، غيّر ثيابه وانطلق مجدّداً بسيارته التي يقال إن الأسيرين كانا فيها. قد تكون عملية أسر الجنديين إحدى أشهر العمليات العسكرية التي قادها سمير مطوط. فقد انتشرت أخبارها وبعض التفاصيل عنها انتشاراً واسعاً في أوساط جمهور المقاومة، لما حملته من رمزية. ذلك أن قائد عملية الأسر استشهد بعد عام من تنفيذها، مع ثلاثة من رفاقه (حسن شكر، جعفر المولى وحسن كسرواني) خلال اقتحام موقع علي الطاهر. وقد احتفظت إسرائيل بجثمانه تسعة أعوام، حتى تاريخ عملية التبادل عام 1996. يومها بادل حزب الله الجنديين الاسرائيليين اللذين أسرهما مطوط ورفاقه، بـ45 أسيراً من معتقل الخيام، ورفات أجساد 123 شهيداً مقاوماً. لكن هذه العملية، بالنسبة إلى المقاومة الإسلامية، ليست إلا واحدة من العمليات الناجحة، التي كان يقودها سمير، بعد أن يخطط لها. هو صاحب عدد من الإنجازات، ويعدّه الحزب أحد القادة الميدانيين، ممّن يسمّون الجيل التأسيسي. مجايلوه في المقاومة اليوم، أو من بقي منهم حياً، هم من القادة الذين يصعب التواصل معهم حالياً لأسباب أمنية. يذكره بعض رفاقه بصفاته القتالية المميزة: «مندفع على نحو استثنائي وصاحب قدرة مميزة على التخطيط للعمليات الناجحة والإبداع في ساحة العملية. كان قادراً على استشراف الأخطار التي يمكن أن تبرز خلال العمليات ومبادراً لتداركها باتخاذ القرار الصائب». جواد هو من جيل المقاومة التي كانت تفتقر إلى الأسلحة الحديثة والخبرات، فكانت تتعلم ميدانياً وتراكم الخبرات التي ستستفيد منها الأجيال اللاحقة. يسجّل له رفاقه في المقاومة أنه «قدّم جديداً على صعيد تكتيكات الإسناد الناري للمقاومين خلال عمليات الاقتحام، وكان حريصاً على حمايتهم خلال عمليات الاقتحام والانسحاب». وتنقل شقيقته عن أصدقائه قولهم لها: «لم يترك يوماً جريحاً أو شهيداً في ساحة عملية كان يشارك فيها». من صوره النادرة، واحدة له على دبابة إسرائيلية استطاع أسرها مع رفاقه. فهو لم يكن يحب الظهور، وكان يتضايق من بعض التسجيلات التي يُسمع فيها صوته، خشية أن تعرف هويته. تقول شقيقته زينب: «مرة رأيت يده وسمعت صوته، وعندما سألته نفى نفياً مطلقاً». زينب لم تكن تعرف الكثير عن شقيقها خلال حياته، «كان كتوماً جداً، ومتواضعاً. أحد أصدقائه قال لي مرة ممازحاً: شقيقك قائدنا، يأمرنا فننفذ، فعلّق هو بالقول: شو بدّك فيه، عم يمزح». ويروي آخر من أبناء الأوزاعي أن سمير أصيب مرة ودخل إلى المستشفى مع صديقه «ولم يعرف أحد أن الإصابة كانت بسبب عملية، بل ظن الجميع أنه انفجار قارورة غاز». أهالي الحي الذي كبر فيه يعرفونه شاباً مؤمناً، يهتم بالأطفال كما بكبار السن. كان من مؤسسي الكشاف في الأوزاعي، وينظم نشاطات ترفيهية وثقافية لأطفال الحي. تقول شابة تتلمذت علي يديه: «هو من علّمني الوضوء، وكان يقرّبنا من الدين بأسلوب لطيف وواع. يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من دون أن يكون جافاً أو قاسياً بل محباً وخدوماً». استشهاده عام 1987 أحدث صدمة لأبناء الاوزاعي الذين كانوا يعرفون القليل عنه مقاوماً. تتذكر شقيقته أنها تلقت الخبر عندما كانت تعزي أهل الشهيد حسن شكر، الذي استشهد معه في العملية ذاتها: «لم أكن أعرف أن سمير كان معه، ولم تكن المقاومة قد تأكدت بعد من استشهاده. لاحظت خلال وجودي في البيت أنهم ينظرون إليّ بطريقة مختلفة ثم استدعاني الشباب وقالوا لي بداية إن سمير مفقود، وبعدما أجروا عدداً من الاتصالات، عادوا وأبلغوني بتأكد خبر استشهاده وطلبوا مني نقله إلى والدتي». الوالدة أم محمد، زغردت عندما سمعت الخبر... فالعائلة مؤمنة بأن الشهادة «عز وكرامة وفخر.. نعم، القلب يدمع لكننا لا نقول ما يغضب الله»، تقول زينب التي لا تملّ من الحديث عن شقيقها لأولادها الفخورين به. ابنها يحمل اسم جواد، وابنتها كتبت عنه في موضوع التعبير الذي سئل فيه التلامذة عن شخصية لبنانية قدّمت شيئاً لبلدها. أما الوالدة، فقد عاشت ما بقي من حياتها تحلم بيوم تزور فيه قبره. حلم لم يتحقق لأنها توفيت قبل 40 يوماً من استعادة رفاته. كان يوماً حزيناً في حياة العائلة، إلا أن زينب تروي أن ما كان يواسي أمها «زيارات سمير المتكررة لها إلى البيت. أمي كانت تراه وكان يؤنسها بين وقت وآخر». لا تفرض زينب على أحد أن يصدّق ما تقوله وما كانت تراه أمها «لكننا من الناس الذين يؤمنون بأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون». ________________________________________

المقاومة تستمر بدعم الناس
وجوه متعدّدة يمكن رؤية مطوط (الصورة) من خلال ما بقي من آثاره التي تحافظ عليها مؤسسة الشهيد. ففي تسجيلات نادرة له، نراه خطيباً بمناسبة استشهاد أحد رفاقه «المفتي» أو الشهيد محمد يوسف. بنبرة واثقة، يحكي الشاب العشريني عن المقاومة الإسلامية «التي لن تستمرّ إلا بدعم الناس». يقول إن المعركة مع اسرائيل أزلية، ويعاهد الشهداء الذين سبقوه «أن نستمرّ على خطاهم». وفي مشهد آخر نراه يفتح خريطة رسمت عليها إشارات لمواقع عسكرية وطرقات ويتناقش مع رفاقه فيها باسماً. أما غاضباً، فيمكن سماعه وسط رفاقه يشدد على أهمية الدقة في تنفيذ العملية.
جريدة الاخبار عدد الاربعاء ١١ تشرين الثاني ٢٠٠٩

الجمعة، 6 نوفمبر 2009

حيدر الغول.. شهادة مؤجلة

أمير قانصوه
يفاجئنا الموت في كل لحظة ليسرق منا عزيزاً، فيشعل من لحظة الحزن ولوعة الفراق كل ذلك الحنين لمن مضوا الى ربّهم، ونفوسهم راضية مرضية.
هذا ما فعله حيدر الغول حين تسلل من بيننا، لم ينظر الى الخلف أبداً، برغم انه ترك وراءه الكثير من الأحبة الذين يأنسون بطلّته، وتسعدهم بسمته، ويريحهم هدوؤه.
جاء حيدر الى هذه الدنيا وهو لا يحمل في جعبته غير بطاقة واحدة، شهادة مؤجلة. ربما الشهادة هي الأمر الوحيد الذي أحبه في سره وطبع قلبه عليه. لقد انتظرها طويلاً بين جنبات بلدته الخيام. وربما يقول قائل: ان حيدر استحقها هناك على تراب الخيام وقبالة فلسطين العزيزة، لكنها تحققت بعد أربع عشرة سنة حين سقط بجراح من الأسر صابراً محتسباً.
من الأسر مباشرة الى الإعلام المقاوم جاء حيدر، ليكمل المسيرة التي بدأها، وهو الذي كان بين جدران الزنزانة صوتاً ينخر آذان السجانين، سواء اذا أطلق شعاراً أو تلا القرآن أو أنشد للمقاومة بصوته العذب.
الكل يعلم أن أهم وظيفة قد يضطلع بها الإعلامي هي التواصل مع من يملك المعلومات، ليعيد تقديمها الى الجمهور، لكن مع حيدر الغول كانت الأمور تبدأ على هذا النحو وسرعان ما تنقلب، ليصبح هو المحاوَر، فيروي السيرة الكاملة، ليس سيرته فحسب، بل سيرة مئات الأسرى في معتقل الخيام، ممن حمل حيدر صوتهم قوياً وعالياً، وصرخ به في وجه كل من كان يحاول ان يسجن معتقل الخيام ونزلاءه في ظلمة النسيان.
كان حيدر الغول يستطيع ان يجعل منك وأنت تستمع الى حكاية المعتقل أسيراً لروايته، كيف كان يُعتقل الشباب ومن كان يقوم بالاعتقال.. يسمي لك العملاء والسجانين بأسمائهم، ويحدثك بلوعة كيف لم تحاسب المحاكم اللبنانية هؤلاء بما يوازي جرائمهم بحق شعبهم!! يروي لك كل الحكاية، حتى اذا كانت الخاتمة قال:
"كنت فتى حين اعتقلت، لم أشبع من حنان أمي وحبها.. أودعت ذلك المعتقل الذي يبعد مئات الأمتار عن بيتنا، كان القلق ينهش قلب أمي، وكانت تحاول وتحاول دائماً ان تصل ولو الى الهواء الذي أتنشقه.. وكنا حين نُنقل من السجن الى المستشفى نعبر في دروب الخيام، فأسترق النظر من فتحات صغيرة في الآلية لعلّي أرى وجه تلك الحبيبة".
كان الفتى يصرخ بأعلى صوته "أمي"، لكن حتى ذلك الصوت كان ممنوعاً أن يصل اليها.
قبل أسبوعين من الرحيل، التقيته في ردهة المنار على عجل.. قال لي إني مريض وسأدخل المستشفى. وعلمت لاحقا أنه أودع وصيته في أرشيف المنار، ربما كان يعلم أن الشهادة المؤجلة قد دنت.
حيدر.. لو كنت أعلم أني أنظر اليك للمرة الأخيرة، لكنت أطلت النظر.
الانتقاد ـ العدد1356 ـ 24 تموز/يوليو 2009

14 آب: العدو يهدد.. نحن جاهزون

أمير قانصوه
صباح الرابع عشر من آب/ أغسطس 2006 تحديدا، أدرك العدو أن الذهاب إلى الشمال لم يعد نزهة، ولم يعد ذلك البلد الضعيف لبنان يُحتل بفرقة موسيقية، كما كان يعبّر قادته. فهم العدو من أصغر جنوده حتى أكبر قادته العسكريين والسياسيين أن لبنان صار بالفعل بلداً قوياً، يدفع عنه العدوان ويحافظ على سيادته واستقلاله، ولو كلفه ذلك التضحيات الكبيرة، ولو اجتمع العالم كله ضده، ولو صار المتآمرون على امتداد الدول والممالك والامبراطوريات. لا بل أصبح قادرا على صنع الهزيمة لأعدائه وبلوغ النصر المظفر.
انها الحقيقة التي أثبتتها كل الأيام التي مرت خلال السنوات الثلاث الماضية، ووثقها تقرير "فينوغراد" بشهادة قادة العدو، وخلاصة ما توصلت اليه اللجنة الاسرائيلية.
لكن لماذا اليوم يرتفع صوت العدو مهدداً ومتوعداً، وكأنه يحاول تجاهل "الدرس القاسي" الذي تلقاه في تموز وآب؟
انها بالتأكيد طبيعة الكيان الصهيوني العدوانية التي لا ترى وجودا له من غير العدوان وسفك الدماء، وأن استمراره يرتبط بتحقيق القوة المطلقة التي تضمن تفوق "اسرائيل" عسكرياً واقتصادياً وسياسياً على كل الدول المحيطة بها، وتجعل هذا المحيط أسير دوامة الخوف والقلق والجبن.
حتى ان لجنة "فينوغراد" عندما كُلفت تحليل ظروف الحرب ونتائجها، لم تقل إننا فشلنا في الحرب، فلنجنح الى السلم، بل كانت توصيتها مزيدا من الاستعداد وشحذ القوة التي تجعل "اسرائيل" تنتصر في الحرب القادمة!
في المقابل حين يقرأ بعض اللبنانيين حرب تموز، فإنهم يصلون الى نتيجة غريبة جداً، كل ما فيها هو نزع سلاح المقاومة، وبالتالي تجريد لبنان من القوة التي حققت له النصر وحافظت على استقلاله وسيادته، هذا بدل أن يكون المطلوب أن نبذل جهداً أكبر على مستوى الاستعداد والتحضير للدفاع عن بلدنا بكل الوسائل التي يمكن أن تتوافر للجيش والمقاومة والشعب.
قادة العدو يهددون لأنهم يستندون الى قرار متخذ بالثأر لهزيمة تموز، وهم لا يتوقفون عن الاستعداد على كل الجبهات، بما فيها تحضير المستوطنين أو ما يسمونه الجبهة الداخلية لمواجهة أي حرب محتملة.
وبالتأكيد فإن المقاومة منذ 14 آب 2006 هي في حال استنفار لتحقيق الجاهزية المطلوبة لمواجهة أي عدوان اسرائيلي.. عمل لا يتوقف في الليل والنهار لتحقيق انتصار يسقط كل بيت العنكبوت.
في 14 آب سيقول قائد المقاومة سماحة السيد حسن نصر الله ما يجعل هذا العدو يعمل ألف حساب حين يفكر بعدوان ضد لبنان، لا بل سيقول ما يجعل ألسنة قادة العدو تخرس من جديد.

14-08-2009

الاثنين، 4 مايو 2009

عندما أراد العدو شطب المقاومة من المعادلة:

ميـدون الأسطورة.. والحجر الأول في زمن الانتصارات

أمير قانصوه
قبل 21 عاماً، وعند بوابة البقاع الجنوبية في قرية ميدون سجلت المقاومة الاسلامية أحد أكبر انتصاراتها الخالدة، في ساعات قليلة أسقط نفر قليل من المجاهدين أكبر عملية عسكرية تشنها ألوية النخبة في جيش العدو الصهيوني، كان الهدف منها قلب ميزان المواجهة، وشطب المقاومة من معادلة الصراع، لكن المجاهدين قاتلوا حتى الطلقة الأخيرة، وحتى آخر نقطة دم في عروقهم، وأسقطوا أولى محاولات العدو لتبدأ من ملحمة ميدون الخالدة التي سجلت في تاريخ العدو كأسطورة.. بداية زمن الهزائم لـ"إسرائيل". حدث ذلك في 4 أيار /مايو 1988.
هنا استعادة لحكاية لا تزال خالدة كالمقاومة التي سقيت شجرتها من شرايين الثوار:


اقرأ النص كاملاً على هذا الرابط:
http://www.alintiqad.com/essaydetails.php?eid=6226&cid=7